محمد عبد الله دراز
105
دستور الأخلاق في القرآن
تتصوره سوى قوة الإدراك » « 1 » . فالإنسان بانتمائه في وقت وأحد إلى عالم الإدراك ، وعالم الحسّ ، ذو طبيعتين ، تسيطر أشرفهما ، وهي ( العقل ) على دنياهما ، وهي ( حبّ الذات غير المشروع ) وهذا الصّوت العقلي واضح تمام الوضوح ، « شديد التّأثير ، قابل لأنّ يدركه حتّى السّذج من النّاس . . . والحدود الّتي تفصل الأخلاقية عن حبّ الذات مميزة بكثير من الوضوح ، والضّبط ، حتّى إن النّظرة العادية لا تعجز عن تمييز ما يتصف به أحدهما ، دون الآخر » « 2 » . فإذا ما رددنا نظرية ( كانت ) إلى أبسط تعبير عنها ، وخلصناها من جميع مظاهر الدّقة الشّكلية ، ونزعة التّسامي ، ونقيناها أيضا من نزعة التّشاؤم ، الّتي اتسمت بها ؛ ومن بعض ما شابها من البرود العاطفي - فهي بعد هذا لا تعد من المسلمات فحسب ، بل إنّها لتتفق تماما - فيما نرى - مع النّظرية المستخلصة من القرآن . لقد علمنا هذا الكتاب أنّ النّفس الإنسانية قد تلقت في تكوينها الأولي الإحساس بالخير ، وبالشر : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 3 » . وكما وهب الإنسان ملكة اللّغة ، والحواس الظّاهرة ، فإنّه زود أيضا ببصيرة أخلاقية : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ « 4 » . ولقد هدي الإنسان طريقي الفضيلة ، والرّذيلة : أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ « 5 » ، حقا إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ « 6 » . ولكن
--> ( 1 ) انظر : 1 - Kant . Critique de la Raison Pratique , p . 91 ( 2 ) انظر ، المرجع السّابع : 35 - 36 . ( 3 ) الشّمس : 7 - 8 . ( 4 ) القيامة : 14 . ( 5 ) البلد : 8 - 10 . ( 6 ) يوسف : 53 .